تعديلات قانون التجارة البرّية: خطوة أساسية في مسيرة تحديث القوانين في لبنان/نهلة شمس الدين

0

المحامية نهلة شمس الدين*:
صدر بتاريخ 29 آذار 2019 القانون رقم 126 الذي يحمل تعديلات جوهرية لقانون التجارة البرّية اللبناني الصادر بتاريخ 24/12/1942، بالإضافة إلى تعديل المادة 844 من قانون الموجبات والعقود. نُشر القانون رقم 126 الجديد في الجريدة الرسمية بتاريخ 1 نيسان 2019 و دخل حيّز التنفيذ بتاريخ 1 تموز 2019.
يشكّل إقرار هذا القانون خطوة أساسية في مسيرة تحديث القوانين في لبنان ويحمل عدداً لا بأس به من التعديلات التي من شأنها تحفيز المبادرات التجارية والاستثمارية. أهمّية هذا القانون تعود أيضاً لندرة التعديلات التي طرأت على قانون التجارة البرّية منذ إقراره عام 1942، ما يجعل هذا الإصلاح حاجة أكثر من ضرورية. وهذا ما دفع بشركةMcKinsey & Company الاستشارية العالمية إلى إدراجه ضمن قائمة القوانين ذات الضرورة الحاسمة لتحسين قطاع التجارة والاستثمار في لبنان (« critical business environment laws ») وهي
قائمة مؤلّفة من ثلاثة عشر قانوناً تضمّ، بالإضافة إلى تعديل قانون التجارة البرية، قوانين متعلّقة بالملكية الفكرية، بخطط تعويض العاملين عبر منحهم أسهماً في الشركات التي يعملون فيها (« equity compensation plans »)، بتنظيم المنافسة، وغيرها من القوانين التي من شأنها تسهيل حركة الأعمال في لبنان.
ما هي أبرز التعديلات التي نتجت عن القانون رقم 126؟ ما هي أبرز الإضافات التي أتى بها هذا القانون؟ وما هي أبرز النواقص أو الهفوات؟
أوّلاً: أبرز التعديلات
يمكن إدراج أبرز تعديلات القانون رقم 126 تحت ثلاثة عناوين تحديثية أساسية:
1. الحَوكَمة الرشيدة (good corporate governance):
تعديلان أساسيّان أتى بهما القانون الجديد في إطار تعزيز الحَوكمة الرشيدة في الشركات اللبنانية وتحديث كيفية إدارتها.
فمن جهة، عدّل القانون الجديد المادة 153 من قانون التجارة والتي أصبحت تتيح للشركات المساهمة أن يتضمّن نظامها إمكانية الفصل بين رئاسة مجلس الإدارة من جهة (président du conseil d'administration) وإدارة الشركة من جهة أخرى (directeur général). في حال الفصل بين هذَيْن المنصبَيْن، تنفصل صلاحيات الإدارة اليومية للشركة عن صلاحية مراقبة عمل مجلس الإدارة، فيعود لرئيس مجلس الإدارة سلطة الإشراف العام على سير الأعمال في الشركة وترؤس جلسات مجلس الإدارة، إلاّ أنّه لا يكون مناطاً بأيّ صلاحية إدارية ولا يحقّ له التدخّل بالأعمال اليومية للشركة (président non exécutif). وهو إن يحقّ له إعطاء توجيهات وتوصيات عامة للمدير العام، لا يكون هذا الأخير ملزماً بتطبيقها. ويعود للمدير العام في حال الفصل بين المنصبَيْن صلاحية تمثيل الشركة تجاه الغير وتنفيذ قرارات مجلس الإدارة وتسيير أعمال الشركة اليومية، تحت إشراف ومراقبة مجلس الإدارة. للفصل بين منصبَيْ رئيس مجلس الإدارة والمدير العام أهمّية خاصة في الشركات الكبيرة الحجم، إذ من شأنه أن يؤمّن الفصل بين سلطَتَيْ المراقبة والتنفيذ، ما يعزّز الحَوكمة الرشيدة، كما ويؤمّن نوعاً من التوازن بين صلاحيات مجلس الإدارة مجتمعاً، بما فيه رئيسه المُناطة به صلاحية الإشراف المتواصل على إدارة الشركة (contrôle permanent de la gestion)، من جهة، وصلاحيات المدير العام الذي يقوم بدور الإدارة الفعلية اليومية (véritable chef d'entreprise) تحت إشراف مجلس الإدارة من جهة أخرى.
تجدر الإشارة إلى أنّه في حال الفصل بين منصبَي رئاسة مجلس الإدارة والمدير العام، يمكن لمجلس الإدارة تعيين مدير عام من خارج أعضاء مجلس الإدارة، من المساهمين أو من غير المساهمين، شرط أن يكون من الأشخاص الطبيعيين. أمّا رئيس مجلس الإدارة، فيجب أن يتمّ اختياره من بين الأشخاص الطبيعيين الذين يتألّف منهم المجلس.
من جهة أخرى، وفي إطار تعزيز الحَوكَمة الرشيدة، عدّل المشترع المادة 147 من قانون التجارة. ففي حين كانت هذه المادة تنصّ على أنّ الجمعية العمومية تنتخب أعضاء مجلس الإدارة من بين المساهمين الذين يملكون عدداً من الأسهم يحدّد حدّه الأدنى نظام الشركة، ما كان ينتج عنه وجوب إيداع هذه الأسهم في صندوق الشركة وتخصيصها لضمان مسؤولية مودعيها عن الأخطاء الإدارية، أصبحت المادة 147 المعدَّلة تتيح للجمعية العمومية إنتخاب أعضاء مجلس الإدارة من المساهمين أو غير المساهمين وألغت وجوب إيداع أسهم ضمان في صندوق الشركة. أهمّية هذا التعديل أنّه يتيح للجمعية العمومية إنتخاب أعضاء مستقلّين (administrateurs indépendants) في مجلس الإدارة. ويُقصَد بالأعضاء المستقلّين أشخاص لا يربطهم بالشركة (أو بمجموعة الشركات التي تنتمي إليها الشركة) أو بإدارتها أيّ رابط من أيّ نوع كان، ما يتيح لهم إعطاء رأيهم في مجلس الإدارة بطريقة موضوعية تكون أولويتها ضمان مصلحة الشركة. وغالباً ما يتمّ إختيار الأعضاء المستقلّين من بين أصحاب الخبرات في مجالات تتعلّق بموضوع الشركة أو في مجال إدارة الأعمال بشكل عام.
أخيراً، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ من تعديلات القانون الجديد أيضاً في ما يخصّ إدارة الشركات، إمكانية مجلس الإدارة تعيين مدير عام مساعد أو أكثر (directeur général délégué) بناءً على اقتراح رئيس مجلس الإدارة المدير العام، أو المدير العام حصراً في حال الفصل بين المنصبَيْن. يُعيَّن المدراء العامّون المساعدون من خارج مجلس الإدارة ومن ضمن المساهمين أو غير المساهمين، على أن يكونوا من الأشخاص الطبيعيّين، وهم يقومون بعملهم تحت سلطة ومسؤولية المرجع الذي اقترح تعيينهم.
2. الشفافية في الإدارة (transparent management):
من الواضح أنّ تعزيز الشفافية في إدارة الشركات كان من الأهداف الرئيسية للمشترع اللبناني وبرز من خلال ثلاثة تعديلات أساسية.
أوّلاً: عدّل المشترع المادة 158 من قانون التجارة المتعلّقة بالترخيص المسبق للعقود المنوي إجراؤها بين الشركة وأحد أعضاء مجلس الإدارة (les conventions réglementées). ففي حين كانت تخضع للترخيص المسبق العقود المنوي إجراؤها بين الشركة وأحد أعضاء مجلس الإدارة فقط، أصبحت تخضع لهذا الترخيص جميع العقود المنوي إجراؤها بين الشركة وأحد أعضاء مجلس الإدارة، رئيس مجلس الإدارة، المدير العام، المدير العام المساعد، وكلّ مساهم يملك بصورة مباشرة أو غير مباشرة حقّ تصويت يزيد عن 5% في رأس مال الشركة، وذلك أكان العقد المنوي إجراؤه جارياً بصورة مباشرة أو غير مباشرة تحت ستار شخص ثالث.
وبهذه الخطوة، يكون المشترع اللبناني قد حذا حذو عدد من التشريعات الأجنبية التي تهدف من خلال إخضاع هذه العقود للترخيص المسبق، إلى منع الأكثرية من المساهمين من استغلال موقعهم لتمرير عقود توفّر لهم مكتسبات شخصية على حساب الشركة.
تجدر الإشارة إلى أنّ المشترع اللبناني لم يكتف بتوسيع دائرة العقود الخاضعة للترخيص المسبَق، بل هو حدّد بطريقة مفصّلة وواضحة آلية إعطاء الترخيص. فمن جهة، لا يحقّ لأيّ من الأشخاص المعنيّين بالعقد المنوي إجراؤه مع الشركة، إذا كان عضواً في مجلس الإدارة، المشاركة في التصويت على قرار منح أو رفض الترخيص المتعلّق به. ومن جهة أخرى، حدّد المشترع أنّه على مجلس الإدارة أن ينظر في التراخيص قبل انعقاد الجمعية العمومية، وفي حال منح الترخيص، عليه تقديم تقرير خاص لأوّل جمعية عمومية، عادية أو غير عادية، للمصادقة عليها. هنا أيضاً، لا يحقّ للأشخاص المعنيّين بالعقود المرخّصة من قبَل مجلس الإدارة، إذا كانوا من المساهمين، أن يشاركوا في التصويت على قرار المصادقة.
أخيراً، تجدر الإشارة إلى أنّه على مجلس الإدارة أيضاً، أن يبلغ مفوّض المراقبة، العقود التي تمّ ترخيصها ضمن مهلة خمسة عشر يوماً من تاريخ ترخيص مجلس الإدارة، فيقوم مفوّض المراقبة بعد ذلك برفع تقرير خاص بتلك العقود وتأثيرها على البيانات المالية للشركة إلى الجمعية العمومية للتصويت عليها وفق الأصول. وفي جميع الحالات لا يُعتَبَر ترخيص مجلس الإدارة نافذاً إلاّ بعد مصادقة الجمعية العمومية عليه.
ثانياً: تمّ تعديل المادة 101 من قانون التجارة التي أصبحت تلزم أعضاء مجلس الإدارة أن يودعوا لدى أمانة السجّل التجاري المختصة كلّ عام، وخلال شهرَيْن من تاريخ موافقة الجمعية العمومية على البيانات المالية (ودون أن يتجاوز هذا الإيداع الحادي والثلاثين من كانون الأوّل من السنة الجارية)، عدداً من المستندات من أهمّها تقرير مفوّض المراقبة المرفقة به البيانات المالية الإفرادية والمجمّعة للسنة المنصرمة وفقاً للمعايير المحاسبية المرعية الإجراء، وتقرير مجلس الإدارة عن أعمال الشركة للسنة المنصرمة ونتيجة السنة المنصرمة. تغُرَّم الشركة مبلغ مئة ألف ليرة لبنانية سنويّاً عن كلّ مستند لا يتمّ إيداعه أصولاً.
ومن التسهيلات المنصوص عنها في القانون الجديد، إعفاء الشركة، من أجل إيداع المستندات الإلزامية المنصوص عنها في المادة 101، من موجب الحصول على براءة ذمّة صادرة عن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ما من شأنه تسهيل آلية إيداع وتسجيل المستندات الإلزامية. ويحقّ لكلّ شخص، على نفقته الخاصة، الاستحصال من السجّل التجاري على نسخة من هذه المستندات.
أخيراً، وفي إطار مواكبة التطوّر وتعزيز تسهيل المعاملات، نصّ المشترع على أنّه يمكن إيداع المستندات الإلزامية عبر الوسائل الإلكترونية التي يحدّدها وزير العدل، على أن يكون النشر على موقع السجّل التجاري بعد سنتَيْن على نفاذ القانون الجديد إلزاميّاً ومتاحاً للجمهور.
وأخيراً، كان ملفتاً التعديل الذي طرأ على قائمة البيانات التي يجب أن يتضمّنها صكّ تأسيس الشركة، حيث أضاف المشترع وجوب بيان هويّة صاحب أو أصحاب الحقّ الاقتصادي (bénéficiaires économiques أو bénéficiaires effectifs). وهذه خطوة بدأت باعتمادها بعض التشريعات الأجنبية، لا سيّما القانون الفرنسي، لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. وسيكون مهمّاً في هذا الإطار، إنتظار التعريف الذي سيعتمده المشترع اللبناني لصاحب الحقّ الاقتصادي وكيفية تحديده.
3. تسهيل حركة الأعمال في لبنان (the ease of doing business):
ينصّ القانون رقم 126 الجديد على عدد من التعديلات التي من شأنها تسهيل حركة الأعمال في لبنان وبالتالي تشجيع الاستثمار الأجنبي فيه.
أوّلاً، عدّل المشترع المادة 45 من قانون التجارة المتعلّقة بتعديل شكل الشركة، وحدّد صراحةً أنّ تعديل شكل الشركة لا يؤدّي إلى خلق شخصية معنوية جديدة لها، بل تبقى الشخصية المعنوية قائمة وتستمرّ الشركة الجديدة بالشخصية المعنوية ذاتها التي كانت قبل التحويل. من شأن هذا التوضيح تبسيط مفاعيل تعديل شكل الشركة، كما وتخفيف الأعباء المادية للشركة إذ، على سبيل المثال، وفي ظلّ الفراغ الذي كان قائماً في النصّ قبل التعديل، كانت الإدارة الضريبية تعتبر أنّ تعديل شكل الشركة يؤدّي إلى خلق شخصية معنوية جديدة لها، ما كان ينتج عنه فرض ضريبة عليها تُحدَّد على أساس موجوداتها عند التعديل. هذا التحليل لم يعد ممكناً اليوم في ظلّ التوضيح الذي أتى به المشترع.
ثانياً، ألزم المشترع وزير العدل، خلال مهلة سنتَيْن على نفاذ القانون رقم 126، وضع وسائل إلكترونية تتيح إتمام معاملات الإيداع والتسجيل لدى أمانة السجّل التجاري، بما فيها معاملة إيداع وتسجيل الشركة، عبر الوسائل الإلكترونية. وينصّ القانون رقم 126 على أنّه بعد سنتَيْن على نفاذ هذا القانون، تتمّ معاملات إيداع وتسجيل المستندات لدى أمانة السجّل التجاري بالوسائل الإلكترونية حصراً، ويكون النشر الإلكتروني على موقع السجّل التجاري متاحاً لاطلاع الجمهور. بالإضافة إلى تسهيل إتمام المعاملات، يشكّل هذا التعديل خطوة جوهرية في مسيرة وقف الهدر ومكافحة الفساد إذ من شأن اعتماد المعاملات الإلكترونية تخفيف الكلفة بشكل عام على الدوائر الرسمية، كما والحدّ من حالات استغلال النفوذ والرشوة.
ثالثاً، لحظ المشترع إمكانية اعتماد تقنيات الاتصال المرئي والمسموع عن بُعْد للمشاركة في اجتماعات الجمعية العمومية ومجلس الإدارة، باستثناء اجتماعات مجلس الإدارة التي تعدّ الحسابات السنوية والبيانات المالية السنوية واعتمادها والتقارير عن العام المنصرم، ما يشكّل خطوة أساسية في إطار تسهيل حركة الأعمال ومواكبة القوانين الأجنبية الحديثة.
رابعاً، وفي إطار تخفيف الأعباء السنوية على الشركات المساهمة، ألغى المشترع موجب تعيين مفوّض مراقبة إضافي، وأصبح هذا التعيين إختياريّاً حيث يجوز لمساهم أو لعدد من المساهمين يمثّل أيّ منهم عشرة بالمئة على الأقلّ من رأس مال الشركة، مراجعة رئيس الغرفة الابتدائية حيث يقع مركز الشركة لأجل تعيين مفوّض مراقبة إضافي.
أخيراً، وفي إطار تشجيع الاستثمار الأجنبي في لبنان، عدّل المشترع المادة 144 من قانون التجارة حيث أصبح يجب أن لا يقلّ عدد اللبنانيين في مجلس إدارة الشركة المساهمة عن الثلث، في حين كان يجب أن تكون أكثرية أعضاء مجلس الإدارة من اللبنانيين في ظلّ القانون قبل التعديل. بالإضافة إلى ذلك، حدّد المشترع أنّ رئيس مجلس إدارة الشركة المساهمة لا يحتاج إلى إجازة عمل إذا كان من غير اللبنانيين غير المقيمين في لبنان.
ثانياً: أبرز الإضافات
من بين أبرز الإضافات التي نصّ عليها القانون رقم 126 الجديد، أربعة مواضيع جديدة لم يكن القانون القديم قد لحظها:
1. الشركة المحدودة المسؤولية ذات الشريك الوحيد (l'entreprise unipersonnelle à responsabilité limitée):
لحظ المشترع اللبناني في القانون رقم 126 إمكانية تأسيس شركة محدودة المسؤولية من قبَل شخص واحد يُسمَّى "الشريك الوحيد". ولذلك تمّ تعديل عدد من مواد المرسوم الاشتراعي رقم 35 الصادر بتاريخ 5 آب 1967، بالإضافة إلى تعديل المادة 844 من قانون الموجبات والعقود حيث أصبحت تنصّ صراحةً على أنّه يمكن، في الحالات المنصوص عليها في القانون، تأسيس شركة بعمل صادر عن إرادة شخص واحد.
تشكّل هذه الإضافة إلى القانون اللبناني، تغييراً جوهرياً من شأنه تحفيز المبادرات الاستثمارية الفردية. ففي حين كان القانون اللبناني قد أتاح سابقاً تأسيس شركة "الأوف شور" من قبَل شخص واحد، إلاّ أنّ لتأسيس الشركة المحدودة المسؤولية، التي يمكنها أن تمارس نشاطها على الأراضي اللبنانية، أهمّية خاصة، إذ تتيح لروّاد الأعمال، الأفراد وأصحاب المبادرات الاستثمارية الفردية (entrepreneurs individuels) تنظيم عملهم بطريقة شفّافة تضمن لهم الفصل بين أموال وديون مشروعهم التجاري وأموالهم وديونهم الخاصة.
تجدر الإشارة إلى أنّه لا يجوز للشركة المحدودة المسؤولية المؤلّفة من شريك وحيد، أن تكون الشريك الوحيد في شركة أخرى محدودة المسؤولية.
2. الأسهم التفضيلية (actions de préférence):
على غرار العديد من التشريعات الأجنبية الحديثة، أنشأ المشترع اللبناني نوعاً جديداً من الأسهم في الشركات المغفلة، هي الأسهم التفضيلية، إلّا أنّه حدّد امتيازاتها وحقوقها بالامتيازات المادية فقط (droits pécuniaires). فالأسهم التفضيلية تتمتّع بامتيازات ومنافع مادية يحدّدها نظام الشركة أو قرار الجمعية العمومية غير العادية التي تقرّر إصدارها، إلّا أنّه لا يحقّ لأصحابها المشاركة في النقاش أو التصويت في الجمعيات العمومية، باستثناء في حالات محدّدة نصّ عليها القانون، كما لا يحقّ لهم تولّي عضوية مجلس الإدارة أو اقتسام موجودات الشركة.
يتكوّن من أصحاب الأسهم التفضيلية عند كلّ إصدار، جمعية خاصة يمكنها أن تصدر رأياً إستشاريّاً أو أكثر في المواضيع المعروضة على الجمعيات العمومية أو في أيّ موضوع يرى أصحاب الأسهم التفضيلية من مصلحتهم إبداء الرأي فيه. يمكن للجمعية الخاصة بأصحاب الأسهم التفضيلية أيضاً تعيين ممثّل عنها لحضور جمعيات المساهمين العمومية حيث يكون له الحقّ بإبداء رأي الجمعية التي يمثّلها دون أن يكون له حقّ المشاركة في التصويت.
لا بدّ من الإشارة في هذا الإطار، إلى أنّه كان الأجدر بالمشترع اللبناني، على غرار المشترع الفرنسي مثلاً، ترك قرار منح الأسهم التفضيلية حقّ التصويت أم لا للمساهمين، إذ قد يرغب المساهمون في بعض الحالات بمنح الأسهم التفضيلية حقّ تصويت فردي، أو حتّى حقّ تصويت مزدوج أو أكثر.
أخيراً، تجدر الإشارة إلى أنّه لا يجوز للأسهم التفضيلية أن تتجاوز نسبتها ثلاثين بالمئة من الأسهم الإسمية التي تمثّل رأس مال الشركة عند الإصدار، ويحظّر على رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وعلى المدراء العامين والمدراء العامين المساعدين وعلى أزواجهم وأولادهم القاصرين، أن يتملّكوا أسهماً تفضيلية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
3. إندماج الشركات وانشطارها (fusions et scissions des sociétés):
أضاف المشترع باباً خاصاً باندماج الشركات وانشطارها ما يضع حدّاً لفراغ في النصّ كان مصدر غموض والتباس في الكثير من الأحيان. عرّف المشترع إندماج الشركات بتحويل الذمّة المالية لشركة أو أكثر إلى شركة قائمة أو إلى شركة جديدة مستحدثة لهذا الغرض. أمّا انشطار الشركة فيتحقّق بتحويل ذمّتها المالية إلى عدّة شركات قائمة أو مستحدثة. يؤدّي الاندماج أو الانشطار إلى حلّ الشركات الزائلة، أيّ الشركات التي تفقد وجودها نتيجة الاندماج أو الانشطار، بدون تصفيتها وإلى انتقال ذمّتها المالية إلى الشركات المستفيدة بوضعها الذي تكون فيه عند إنجاز العملية نهائيّاً. يمكن أن تجري عمليات الاندماج والانشطار بين مختلف أنواع الشركات وضمن الشروط المنصوص عنها لتعديل النظام في كلّ منها.
حدّد المشترع بشكل مفصَّل آليات إنجاز عمليات اندماج وانشطار الشركات، كما نصّ على أحكام خاصة في هذا الإطار بالشركات المساهمة والشركات المحدودة المسؤولية.
أخيراً، أعفى المشترع الإجراءات والمعاملات التي تقتضيها عمليات الاندماج والانشطار من رسم الطابع المالي، كما أعفى الإجراءات والمعاملات التي تقتضيها عمليات الاندماج من جميع رسوم الطوابع والفراغ والانتقال وكتابة العدل والتسجيل لدى مختلف المراجع الرسمية. أمّا عمليات الانشطار فتُعفى من هذه الرسوم إذا تمّت عملية الانشطار إلى شركتَيْن مستحدَثتَيْن أو أكثر وتبقى خاضعة لها إذا تمّ الانشطار لمصلحة شركة أو شركات قائمة. هذا وتخضع الشركات المندمجة والشركات الدامجة للضريبة المنصوص عنها في المادة 45 من قانون ضريبة الدخل بمعدّل مخفَّض قدره 5% على فروقات إعادة تخمين الأصول الثابتة لأيّ منها. كما تخضع الشركات المنشطرة لنفس الضريبة بمعدّلها المخفَّض في حال تمّ الانشطار إلى شركتَيْن مستحدَثتَيْن أو أكثر، في حين تخضع فروقات إعادة التخمين للضريبة العادية في حال تمّ الانشطار إلى شركتيْن قائمتَيْن أو أكثر.
4. توزيع الحقوق بين صاحب حقّ الرقبة وصاحب حقّ الانتفاع:
أخيراً، سدّ المشترع فراغاً آخر يتعلّق بتوزيع الحقوق بين صاحب حقّ الرقبة وصاحب حقّ الانتفاع للسهم الواحد. فالحقوق بين أصحاب الملكية هذه أصبحت تتوزّع كما هو منصوص عنه في القانون الجديد، إلّا في حال اتفق صاحب حقّ الرقبة وصاحب حقّ الانتفاع على خلاف ذلك وفق الطريقة التي يرتئيانها، على أن يُصار إلى توقيع عقد في ما بينهما وتبليغه إلى الشركة ونشره في السجّل التجاري. وقد نصّ المشترع على أنّه يكون لصاحب حقّ الانتفاع من السهم وحده الحقّ في حضور الجمعية العمومية العادية والتصويت فيها، فيما يكون لصاحب حقّ الرقبة الحقّ في حضور الجمعيات العمومية غير العادية والتصويت فيها. ويكون صاحب حقّ الرقبة من السهم الواحد وحده الحقّ بممارسة حقّ الأولوية في شراء الأسهم المُتَفرَّغ عنها من قبَل أحد المساهمين وحقّ الاكتتاب في حال زيادة رأس مال الشركة، ويكون وحده ملزَماً بتسديد ثمن السهم. كما ويكون صاحب حقّ الرقبة وحده مخوّلاً أن يكون عضواً في مجلس إدارة الشركة.
ثالثاً: أبرز ما يمكن تحسينه أو إضافته
لا شكّ أنّ إقرار القانون رقم 126 الجديد بتعديلاته الجوهرية العديدة لقانون التجارة البريّة اللبناني يشكّل خطوةً أساسية طال انتظارها في مسيرة تحديث القوانين في لبنان، كما وتسهيل حركة الأعمال فيه ومواكبة التطوّر بشكل عام. إلاّ أنّ ذلك لا يحول دون مواصلة المشترع اللبناني جهوده في مسيرة التحديث هذه، بشكل يضمن استمرارية التطوّر ومواكبة التشريعات الأجنبية الحديثة بما يتلاءم مع الممارسات التجارية في لبنان. في هذا الإطار، ثلاث نقاط أساسية لا بدّ من تعديلها أو إضافتها إلى القانون اللبناني.
1. شركة الأسهم المُبسَّطة (société par actions simplifiée):
إنّ إدخال شركة الأسهم المُبَسَّطة إلى القانون اللبناني من شأنه المساهمة في تحفيز المبادرات الاستثمارية من خلال تسهيل حركة الأعمال، لا سيّما وأنّ هذا الشكل من الشركات هو الأكثر ملاءمةً للشركات الصغيرة والمتوسّطة الحجم (petites et moyennes entreprises)، أيّ لأغلبية الشركات اللبنانية، وذلك لمرونتها وسهولة المعاملات المتعلّقة بها. وشركة الأسهم المُبَسَّطة هي نوع من شركات الأسهم أُدخلَ إلى القانون الفرنسي منذ العام 1994، وأصبح اليوم من أنواع الشركات الأكثر اعتماداً من قبَل المستثمرين في فرنسا، إذ تشكّل شركات الأسهم المبَسَّطة نسبة 61% من مجموع الشركات التي تمّ تأسيسها في فرنسا في العام 2018 .
شركة الأسهم المُبَسَّطة هي شركة أسهم يمكن تأسيسها من قبَل شخص واحد (associé unique) أو أكثر (associés) وإدارتها تقوم بشكل أساسي على إرادة المساهم أو المساهمين، ما يمنح بعض المرونة غير المتوفّرة في الشركة المساهمة أو الشركة المحدودة المسؤولية. فيعود للمساهم أو المساهمين أن يحدّدوا في نظام الشركة الخصائص التي يريدونها لشركتهم، من كيفية التفرّغ عن الأسهم (وجوب أو عدم وجوب موافقة عدد من المساهمين قبل التفرّغ)، إلى كيفية إدارة الشركة (عبر رئيس ومجلس إدارة
أو رئيس ومدراء عامين ومدراء عامين مساعدين أو رئيس فقط)، إلى اختيار الرئيس والمدراء من بين المساهمين أو من خارجهم، وكيفية عزل الرئيس والمدراء وغيرها من الخصائص.
في هذا الإطار، يفرض القانون الفرنسي فقط أن تكون الشركة ممثّلة تجاه الغير برئيس (président). لا شكّ أنّ المرونة التي توفّرها شركة الأسهم المُبسَّطة، بالإضافة إلى الفسحة الكبيرة المُعطاة لإرادة المساهمين، توجب بالمقابل توخّي الدقّة والوضوح في صياغة نظام الشركة، واحترام قواعد النظام العام للشركات (règles d'ordre public du droit commun des sociétés) والابتعاد عن الصياغات التي يمكن أن تحتوِي على غموض أو تناقض والتي قد تؤدّي إلى نزاعات بين المساهمين أنفسهم أو بين المساهمين والشركة.
1. حصر دور الكاتب العدل في تأسيس الشركات المغفلة:
عدّل المشترع اللبناني المادة 80 من قانون التجارة حيث أصبح يمكن إيداع وتسجيل نظام الشركة المغفلة وكلّ تعديل لاحق له لدى أيّ كاتب عدل على الأراضي اللبنانية، بعد أن كان يجب أن يتمّ الإيداع والتسجيل لدى الكاتب العدل التابع له مركز الشركة الرئيسي. لا شكّ أنّ في هذا التعديل تسهيلاً وتبسيطاً لمعاملات تأسيس الشركة المغفلة، إلاّ أنّ وجوب تدخّل كاتب عدل في عملية تأسيس الشركات المغفلة بشكل عام يبقى غير مبرَّر ويشكّل ثقلاً ومصدر كلفة زائدة على المؤسّسين. لذلك لا بدّ للقانون أن يحرّر عملية تأسيس الشركة المغفلة من أيّ دور للكاتب العدل أو على الأقلّ، حصره في الحالات التي يكون فيها تقديمات عينية للشركة من نوع العقارات أو في الحالات التي يتمّ فيها تأسيس الشركة بين مورّث وورثة لاحقين أو بين زوج وزوجته.
2. حقّ التصويت المزدوج (droit de vote double):
أخيراً، ألغى المشترع في القانون رقم 126، في ما يخصّ الشركات المغفلة المؤسّسة بعد صدور هذا القانون، حقّ التصويت المزدوج الذي كانت تمنحه المادة 117 من قانون التجارة للأسهم المُحرّرة تماماً التي تبقى لمالك واحد لمدّة سنتَيْن على الأقلّ قبل دعوة كلّ جمعية. أمّا الشركات المؤسّسة قبل صدور القانون، فيمكن للجمعيات غير العادية فيها أن تقرّر إلغاء الصوت المزدوج. إنّ حقّ التصويت المزدوج هذا من شأنه، في بعض الأحيان، تحفيز الاستثمار الطويل الأمد في الشركات اللبنانية. لذلك، بدل إلغائه بشكل كامل، كان لا بدّ للمشترع اللبناني من ترك هذا القرار للمساهمين وحصر حقّ التصويت المزدوج بالحالات التي ينصّ فيها نظام الشركة المغفلة صراحةً على منحه.
خلاصة:
لا يمكن، في الخلاصة، إلّا الإشادة بجهود المشترع اللبناني الذي يحاول، من خلال تعديلات القانون رقم 126، وضع لبنان على سكّة القوانين التجارية الحديثة التي تحفّز المبادرات الاستثمارية وتواكب التطوّر في المجالات كافة، وإن كان لا بدّ من مواصلة هذه الجهود لتأمين استمرارية التحديث والتطوّر. يبقى أنّ تحديث القوانين وحده لا يكفي إن لم يترافق مع تطبيقٍ شفّاف بعيدٍ عن الزبائنية، كما ومع مسيرة مكافحة فساد جدّية توصل لبنان إلى برّ الأمان.
هوامش:
*محامية في نقابات بيروت وباريس ونيويورك.

 Lebanon Economic Vision_Full Report_McKensie & Company 2018 -(1
2)- Insee_Statistiques_Les créations d'entreprises en 2018_https://www.insee.fr/fr/statistiques/3703745#titre-bloc-4

(نشرت هذه القراءة القانونية في النسخة الورقية من مجلّة "محكمة" – العدد 45 – أيلول 2019)
"محكمة" – الثلاثاء في 2019/10/15

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!