عن الحراك الشعبي والمقهورين وتعطّل الحياة/سامي منصور

0

القاضي الدكتور سامي منصور*:
تعلّمنا في الجامعة ولا زلنا نتعلّم، بأنّ أركان الدولة هي ثلاثة: ركن الشعب والإقليم والسلطة. وأنّ الأزمة الأساسية التي قد تمرّ بها الدول هي في أن يكون الشعب في مكان والسلطة في مكان آخر، وهو ما يولّد الثورات.
النموذج اللبناني، يخضع لهذا الطرح، ولكن يضاف إليه الفرادة والخصوصية لهذا المجتمع المتميّز بثروة تتمثّل بتعدّد الأديان والانفتاح على كافة الثقافات… وبدلاً من أن يكون هذا التنوّع مصدراً لحوار الحضارات، حوّلته فئة مستغلّة من اللبنانيين إلى مصدر فقر وتنافر ولا تزال.
فركن السلطة في لبنان صادره زعماء ترسّخوا في الأرض، تتغيّر مواقفهم ولا يتغيّرون.
وركن الشعب يتكّون من ثلاث فئات :
– فئة الموالاة وتتألّف من المحظوظين الذين يتحرّكون بأصابع وبأوامر ملوكهم أو بعاطفة مذهبية ضيّقة توجّهها شعارات لا أوّل لها ولا آخر، وعند الغالبية من هؤلاء، دون قناعة. ويحتلّ الأكثر جهالة في هذه الفئة أعلى المراتب التمثيلية والادارية في الدولة، على أساس قاعدة أنّ الأقربين هم الأولى بالمعروف. فالمعيار للوصول هنا، ليس شخصياً وحسب، وإنّما ذاتي بامتياز، ويكون دور هؤلاء المحظيين هو تحقيق مصالح ولي الأمر وتنفيذ رغباته. إنّهم ببغاءات بشرية في القرن الواحد والعشرين.
– فئة المغلوبين على أمرهم، الذين لا حول لهم ولا قوّة. وإنّ كلّ ما لدى هذه الفئة هو رفع الصوت والصراخ من كثرة الألم والوجع والاكتفاء بتوجيه الانتقادات حيث لا ينفع الصراخ ولا المال ولا البنون.
– فئة اللامبالين و"حايد عن ظهري بسيطة"، وهي الأخطر. فالحالة الإسرائيلية في الداخل، كما هي في الخارج، لا تحارب لا بالصراخ، ولا بالانتقاد، ولا بالصمت، وإنّما بالمقاومة. فالتهديد بصاروخ واحد ينتج مفعولاً أقوى بكثير من كلّ المظاهرات والشعارات في العالم. فكيف إذا نفّذ هذا التهديد؟
وقد وجدت اليوم فئة فرضت نفسها وأُطلق عليها اسم "الثورة".
إنّها "الحراك الشعبي"، المؤلّف من كلّ مكوّنات المجتمع اللبناني، تعتصم وتطالب، وتكسر في وقت قصير حاجز الخوف ومعه كلّ قيد.
إنّ ما يجب أن نحترمه وأن لا نتجاهله إطلاقاً، هو فئة المقهورين والمظلومين، التي تجمع الفئات السابقة، أيّ الفئة التي تعيش من خلال تحصيل قوتها عن كلّ يوم عمل، أو في آخر كلّ شهر بقبض راتبها الشهري. فتعطيل يوم أو إقفال مؤسّسات العمل أو المصارف التي تحوّل إليها الرواتب شهرياً، يشعر هؤلاء المياومين والموظّفين وقطاع العمل بالخوف الحقيقي من جوع واقع أو قادم، وبالتأكيد بانهيار الكرامات.
إنّ ما يضحك هذه الفئة ويثير اشمئزازها هو الشعور بالإهانة. فإرسال المصارف، وإجهاد نفسها لرسائل مطمئنة للناس بأنّها ضخّت أموالاً وبقوّة في كافة صرّافاتها الآلية في كافة المناطق وبأنّها تعمل، والحمدلله ، بشكل طبيعي لتلبية المتطلّبات النقدية بواسطة ATM هو عمل مشكور، ولكن ألا يقتضي أوّلاً أن يملك اللبنانيون العاديون، حسابات مصرفية وأن يحملوا ما يسمّى في لغة المصارف ATM، أو يستطيعون استعمالها؟ إنّ هذه الفئة هي من تدفع الثمن أوّلاً وأخيراً وهي من يحمل كلّ عبء.
أن يتعطّل العمل في المحاكم لاعتكاف القضاة أو إضراب الموظّفين، فتتوقّف المحاكمات وتتعطّل العدالة ويتأخّر إصدار الأحكام وهو ما يسمّى بلغة القانون "استنكاف عن إحقاق الحقّ". ولكنّ المهمّ في كلّ ذلك هو ما يصيب هؤلاء من شكّ بإمكانية وصولهم إلى حقوقهم.
أن تنقطع الطرقات وتقفل المعابر، فينقطع رزق شريحة واسعة من اللبنانين تحصّل قوتها اليومي من العمل على الطرقات والمعابر بنقل الركّاب والبضائع.
أن تقفل الجامعات والمدارس، فتتعطّل الدراسة، وترتفع نسبة الضياع والتسكّع.
وأخيراً أن تتعطّل الحياة في الدولة، كما هو حاصل، فيكون البديل هو حياة الانعزال والكآبة والانتظار… إنتظار الموت الأبدي هروباً من حياة يموت فيها الإنسان في لبنان في كلّ لحظة ألف مرّة، وتتحوّل نعمة الحياة إلى نقمة وتصبح النعمة هي في الموت، وتنقلب الموازين كما انقلبت في السياسة بانتظار استعادة التوازن والعافية.
وعندما يصبح قول أحد المسؤولين من منبر أعلى صرح وطني بأنّه "هني بيعرفوا إنو نحن عم نكذّب عليهم ونحن منعرف انن هني بيعرفوا انو عم نكذّب عليهم… بقى ما في مشكلة"، هنا تكمن كلّ المشكلة.
فعندما يصبح هذا الكلام عند المسؤولين مدعاة للخجل، وليس للسخرية، نكون قد قطعنا الخطوة الأساسية نحو الخلاص وقيامة لبنان .
إنّ الشعب اللبناني يفهم أكثر بكثير ممّا يتصوّرون. "فإن كانوا يدرون فتلك مصيبة. وإن كانوا لا يدرون فالمصيبة أعظم".
*رئيس محكمة التمييز شرفاً.
"محكمة" – السبت في 2019/10/26

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!