كذب عليّ أربع ساعات ولم أكذب إلاّ ساعة/ناضر كسبار

0

المحامي ناضر كسبار:
من الصفات السيّئة التي يتميّز بها بعض الناس…الكذب. هذا الكذب يكون إمّا بتزييف الحقائق جزئياً أو كلّياً أو خلق روايات وأحداث بنيّة وقصد الخداع لتحقيق هدف معيّن. وقد يكون مادياً ونفسياً واجتماعياً. وهو عكس الصدق. ويكثر الكذب في المجتمعات التي تسمو فيها المصلحة على غيرها من الحسنات، وكذلك في السياسة. وقديماً كان يقال:"الرجل يُربط من لسانه، ويربط الثور بقرنيه".
“An ox is taken by the horns, and a man by the tongue”
ويعتبر الكذب من أسوأ الصفات. وفي مقابلة مع غبطة البطريرك مار اغناطيوس قال: إنّ أسوأ أصناف الناس هما السارق والكذاب. فلا تعرف متى يسرقك ومتى يكذب عليك.
أخبرني أحد أصدقاء الطفولة، وهو تاجر كبير في فنزويللا، أنّ المسؤولين في الشركات والمؤسّسات والفبركات فيها، يشدّدون على صدق التاجر الذي يتعاملون معه بحيث إنّ الديون تصل إلى ملايين الدولارات من دون ضمانة أو مستند، وذلك بمجرّد الوثوق به وبمصداقيته.
والصدق قد يكون بالفطرة لدى الإنسان ولشدّة ثقته بنفسه بأنّه صادق، يعتقد بأنّ على الآخرين تصديقه لمجرّد ذلك.
دخل مرّة المحامي المرحوم منير شحادة المعروف بصدقه، إحدى الدوائر الرسمية بهدف إنجاز معاملة. فقال للموظّف إنّ موكّله قد توفّى في لندن. فطلب منه الموظّف المستندات الثبوتية فأجابه إنّه ليس بحوزته مستندات ولكنّه يؤكّد أنّ موكّله قد توفّى. وإزاء تعجّب الموظّف، بادره الأستاذ منير بثقة قائلاً له:
– خلص خلص وجدت الإثبات…عندما توفّى موكّلي كنت في لندن وحضرت جنازته.
والكذب قد يكون متغلغلاً في نفسية الإنسان الذي لا يستطيع أن يعيش من دونه، حتّى ولو لم تكن له مصلحة أو منفعة من ورائه. وبعضهم يستعمله طريقاً للتهرّب من خدمة ما أو مساعدة. وفي هذا المجال يروي النقيب الشيخ ميشال خطار أنّ الفرق بين مسؤولين كبيرين جدّاً في الخمسينات والستينات. إنّ الأوّل كان يكذب على الموجودين بقصد التهرّب من واقعة معيّنة أو خدمة أو وظيفة…الخ. أمّا الثاني فكان يرسل في طلب الآخرين ليكذب عليهم ويرسلهم إلى منازلهم فرحين راضين بما سمعوه.
في العام 2000، وفي مناسبة إجتماعية في القاهرة، سألت الممثّل العالمي عمر الشريف عن أهمّ عبارة استعملها في أفلامه، فأجابني قائلاً: في أحد الأفلام عندما قلت لخصمي الذي كان يطلق الإشاعات الكاذبة عني: أوقف إطلاق الإشاعات الكاذبة عني حتّى أوقف إطلاق الحقائق عنك.
عبارة رائعة يجب أن تدوّن بأحرف من ذهب لأنّها تصلح في كلّ زمان ومكان، وخصوصاً في هذا الزمن الرديء الذي يبني بعض الزحفطونيين أمجادهم ومستقبلهم على الكذب وإطلاق الإشاعات الكاذبة والنفاق.
أختم بطرفة كان يرويها النائب المحامي أوغست باخوس. فقد التقى وزملاؤه النوّاب الموارنة المستقلّون مسؤولاً رفيعاً غير لبناني. فبادرهم بالقول:
– شو هاد فلان (وزير سابق أصبح في دنيا الحقّ). حضر الأسبوع الماضي، واجتمعنا ودام الإجتماع خمس ساعات.
ثمّ أردف قائلاً:
– لقد تكلّم أربع ساعات ولم أستطع الكلام إلاّ ساعة. كذّب عليّ أربع ساعات ولم أستطع أن أكذب عليه إلاّ ساعة واحدة.
"محكمة" – الجمعة في 2020/5/29

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!