المحامون مستاؤون من إجراءات الدخول إلى قاعة المحاكمة في "رومية".. لسنا موقوفين!/علي الموسوي

0

كتب علي الموسوي:
إستقبل المحامون العاملون في الحقل الجزائي، خبر نقل جلسات محاكم الجنايات في جبل لبنان الثلاث، من قصر عدل بعبدا إلى القاعة الكبرى المشيّدة داخل السجن المركزي في رومية، بكثير من الفرح والغبطة والإمتنان.
فهذه القاعة الحديثة والجميلة مقارنة بأشباهها في العدليات، أعيد إحياؤها مع موسم جائحة "كورونا" بعد أن كانت قد أغلقت أبوابها مع انتهاء المجلس العدلي من إصدار أحكامه المبرمة بحقّ الموقوفين والفارين من تنظيم"فتح الإسلام" الإرهابي في ملفّ الإشتباكات الأمنية مع الجيش اللبناني في مخيّم نهر البارد في شمال لبنان.
إنقطاع الأوكسجين
شعر المحامون بأنّ النقلة النوعية من ممرّات الإختناق في عدلية بعبدا حيث الزحمة والضجيج وحرارة الطقس المرتفعة وانعدام وجود المكيّفات وضيق المساحات حدّ الإحساس بانقطاع الأوكسجين، تريحهم كثيراً وتطمئنهم إلى أنّهم صاروا بمنأى عن الإصابة بفيروس "كورونا"، من دون أن يعني ذلك وجوب التخفّف من تدابير الوقاية والإحتراز بوضع الكمّامات، والحفاظ على المسافات الآمنة في الجلوس والمسير.

خيار مرّ
غير أنّ فرحة المحامين لم تكتمل، إذ إنّها أصيبت بنكسة غير متوقّعة، بعدما نغّصتها الإجراءات الأمنية المتخذة في سجن رومية والتي فرضت عليهم الإكتفاء بارتداء الروب الأسود الخاص بمهنتهم، وحمل الملفّات الموكلين بالمدافعة والمرافعة فيها دون أيّ غرض آخر، والتوجّه سيراً على الأقدام وتحت حرارة شمس الصيف اللاهبة مسافةً لا بأس بها للوصول إلى القاعة التي باتت موضع حسد قاعات أخرى في كلّ العدليات.
صحيح أنّ هذه القاعة المكيّفة قد تنسيهم "عذابات" الطريق بمجرّد أن يحطّوا الرحال فيها، لكن يمكن برأيهم التخفيف قدر المستطاع، من ممارسات وإجراءات يضعونها في خانة التعارض مع رسالتهم، وقد تحول دون قيامهم بواجبهم في أداء الدفاع كحقّ مقدّس لأيّ إنسان ومهما كان الجرم المنسوب إليه.
ولا يتردّد المحامون في رفع الصوت عالياً من أجل إيجاد المعالجة اللازمة لعملية الولوج والخروج من سجن رومية لحضور جلسات المحاكمات العلنية، ويصل الأمر بهم إلى التلويح باتخاذ خيار مرّ بالإمتناع عن الإلتحاق بهذه الجلسات كما أبلغوا "محكمة" على الرغم من أنّهم مسؤولون تجاه موكّليهم، ويفضّلون العودة إلى عدلية بعبدا على ما فيها من قَهْر وحسرة وعذاب معنوي، على أن تجرّدهم الإجراءاتُ الأمنية المشدّدة من كلّ شيء، فهم داخلون إلى قاعة محكمة وإنْ كانت خلف أسوار السجن الأكبر في لبنان، وليسوا في صدد زيارة موكّليهم المشتّتين في مبان وزنازين مختلفة لكي يجري التعامل معهم بهذه الطريقة المريبة والتي لا تتوافق مع عملهم وكرامتهم.
مشهد "مذلّ"
ماذا يحصل هناك؟
تصف إحدى المحاميات المشهد بـ"المذلّ"، وتقول إنّ سلّة الممنوعات كبيرة وتحمل ألواناً وأصنافاً متعدّدة ليس مسموحاً الإبقاء عليها بالشكل الحالي، بدءاً من وجوب ركن السيّارة على الطريق العام خارج السجن وإبقاء أغراضهم فيها أو وضعها كأمانة في الدكّان الصغير الكائن عند المدخل الرئيسي للسجن، فيما مسموح للقضاة والمساعدين القضائيين بالدخول بسيّاراتهم وحمل هواتفهم الخليوية، مع ما يعنيه ذلك من انقطاع عن العالم الخارجي، إذ لا يعود بمقدور المحامي متابعة جلساته وملفّاته في محاكم أخرى، سواء أكان في قصر عدل بعبدا أو في أيّ عدلية أخرى، ولا يعود باستطاعته التواصل مع محامين من مكتبه للوقوف منهم على ما حصل في ملفّ آخر مولجين بتتبع آثار تنقّله من دائرة إلى أخرى، أو مجريات المحاكمة فيه.
يخضع المحامي لتفتيش يدوي دقيق ينقصه إحصاء الهواء يقول أحدهم لـ"محكمة". يخلع المحامي حذاءه وحزامه وساعة يده، بينما تتخلّى المحامية عن الحلق في أذنها والقلادة التي ترصّع عنقها. بطاقة الهويّة لا يعتدّ بها، وإنْ كانت مستنداً رسمياً، بل يتوجّب على كلّ محام تقديم البطاقة النقابية التي تثبت صفة حاملها وتؤكّد أنّ القادم هو محام ولديه جلسة محاكمة، فأيضاً الدخول محصور بمن لديه جلسة ودعوى، وليس مفتوحاً ومشرّعاً كما يحصل عادةً في قصور العدل حيث يمكن لأيّ شخص الدخول والجلوس ومتابعة مجريات المحاكمة.
لسنا موقوفين
قد تكون هذه الإجراءات الأمنية إضطرارية في ذهن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي المعنية بإدارة سجن رومية وبقيّة السجون المنتشرة على الأراضي اللبنانية، لكنّ اعتراض المحامين يصبّ على المبالغة في تنفيذها، إذ يفترض مراعاتهم تقديراً لمكانتهم ورسالتهم، وهذا ما يوجب إيجاد الطريقة المناسبة التي توازي بين ضروريات الإجراءات وتسهيل وجود المحامين في جلسات المحاكمة.
ويستنكر أحد المحامين أن يتمّ التعاطي معه ومع زملائه وكأنّهم موقوفون فيما هم آتون بحكم العمل والواجب لإتمام مهمّة قانونية محدّدة، حضور جلسة المحاكمة والإنصراف دون الشعور بالمهانة!
ولا يخفي محام آخر إعجابه بالقاعة ويتمنّى وجود مثيل لها في العدليات، كما أنّه يرى في وجودها في السجن اختصاراً للوقت، لسوق السجناء الذي يحتاج لحظات معدودة، بينما نقلهم من سجن رومية إلى عدلية بعبدا دونه مخاطر ومسؤوليات أكبر، ولكنّ كلّ هذه الأمور لا تقلل من مظاهر الإمتعاض البادي على وجوه المحامين من الإكثار من التدابير الأمنية والقيود الموضوعة.
وقد نقل المحامون صرختهم إلى نقابتهم في بيروت آملين معالجتها بأسرع وقت ممكن، فالأيّام تمرّ سريعة، ولا عودة عن الإستعانة بقاعة المحاكمات في سجن رومية ما دام فيروس "كورونا" مسيطراً على البلاد والعباد، وذلك في مسعى آمن للحفاظ على الأرواح من انتقال هذا الوباء إليها، فما يسجّل على صعيد المقيمين المخالطين بحسب إحصاءات وزارة الصحّة العامة وتقاريرها اليومية يفوق أحياناً عدد حالات الوافدين من الخارج.


ويلوم المحامون نقيبهم ملحم خلف على عدم تحرّكه بالشكل المناسب منذ أن أبلغوه بإجراءات التفتيش وتقييد حركتهم، وقد مرّ أسبوعان كاملان على اللجوء القضائي الإضطراري إلى قاعة المحاكمة في سجن رومية، بينما لم يتأخّر خلف قيد أنملة لإخراج ميشال شمعون الذي اقترف جرماً يعاقب عليه القانون وهو شتم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، بعدما لوحظ وجود بطء في تنفيذ جهاز أمن الدولة إشارة الترك الصادرة عن النيابة العامة الإستئنافية في جبل لبنان.
وقد تناقل محامون صورة للنقيب خلف يظهر فيها مع شمعون في سيّارة العودة من مكتب جهاز أمن الدولة، معتبرين أنّ شؤونهم وشجونهم أوْلى بالمتابعة، أم أنّها لا تحقّق "انتصارات شعبوية يراد منها تحقيق هدف شخصي"؟!
"محكمة" – الأربعاء في 2020/6/24

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!