وزارة العدل لا تصادر صلاحيات النيابة التمييزية والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد/غسّان مخيبر

0

المحامي غسّان مخيبر*:
أمارس حقّ التصحيح لمصلحة القانون ولمصلحة جهود مكافحة الفساد التي لطالما جاهدت وجاهدت أجيال من اللبنانيات واللبنانيين لتحقيقها وتستمرّ، ولمصلحة الناس بمعرفة حقوقها كاملة وصحيحة. لذلك أرجو نشر هذه الرسالة/المقالة من قبلكم، لما لكم من حرص على تعميم معرفة القانون وثقافة سيادة الحقّ في لبنان.
لقد قرأت باهتمام كبير المقالة المنشورة في مجلّتكم الغرّاء بتاريخ 2020/10/13 بعنوان "وزيرة العدل تصادر صلاحية الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد قبل تعيينها" بقلم الأستاذ صادق علوية، وقد أبدى الكاتب حرصاً على شرح بعض أحكام عدد من القوانين المتعلّقة بمكافحة الفساد، لكنّه أخطأ في الإستنتاج الذي خلص إليه لا سيّما في العنوان.

وزيرة العدل تصادر صلاحية الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد قبل تعيينها/صادق علوية


أمّا القوانين التي أشار إليها الكاتب، فأعرفها جيّداً، لأنّه كان لي شرف العمل منذ العام ٢٠٠٦ على صياغة مسودّاتها، وتقديمها بصيغة الاقتراحات إلى مجلس النوّاب، ومتابعة مناقشتها في اللجان المختصة حتّى إقرارها في الهيئة العامة، وأستمرّ في متابعة آليات تطبيقها بشكل متكامل وصحيح. هذه القوانين هي: الحقّ في الوصول إلى المعلومات، حماية كاشفي الفساد، ومكافحة الفساد المتضمّنة إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.
ما فات المقال ذكره، أنّه صدر بتاريخ ١٢ حزيران ٢٠٢٠ عن مجلس النوّاب قانون رابع استكمل هذه المنظومة التشريعية لمكافحة الفساد والوقاية منه، ونشر برقم ١٨٢ في ملحق العدد رقم ٢٥ من الجريدة الرسمية بتاريخ 2020/6/12. هذا القانون، الذي كان لي شرف متابعته هو الآخر منذ صياغة مسودّته حتّى تقديمه إلى مجلس النوّاب وإقراره فيه، يرمي إلى تطبيق آليات حماية كاشفي الفساد إذا ما اختاروا تقديم كشوفاتهم وإخباراتهم، إمّا إلى النيابة العامة التمييزية وإمّا إلى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. لا مجال هنا للمفاضلة بين المسارين، فلكلّ منهما ميزاته، بما فيها مدى الإستقلالية والفعالية في أداء الوظائف المنوطة بكلّ منها؛ مع التشديد على إتاحة المسارين بالتوازي لحماية كاشفي الفساد، دون أن يحلّ أحدهما محلّ الآخر.
وبالتالي، يكون القرار الذي اتخذته السيّدة وزيرة العدل ماري كلود نجم يرمي، لا إلى مصادرة دور وصلاحيات الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، ولا دور وصلاحيات النيابة العامة التمييزية، بل إلى تطبيق القانون الجديد وإعمال المسار الجديد المتاح أمام كاشفي الفساد وفق أحكام هذا الأخير، إذا ما اختاروا هم ذلك. ويعود للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، بعد تشكيلها (ونطالب أن يكون ذلك سريعاً)، إنشاء آلية خاصة بها لتلقّي الكشوفات والإخبارات التي تردها واستقصائها وإحالتها إلى القضاء المختص وفق صلاحياتها.
تجدر الإشارة في الشكل، إلى أنّ السيّدة وزيرة العدل اتخذت قرارها المشار إليه في المقالة، وفق توصيات مجموعة عمل خاصة أنشئت خصيصاً من قبل وزارتي العدل والدولة لشؤون التنمية الإدارية، في إطار تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، ولتنفيذ قانون حماية كاشفي الفساد. هذه المجموعة تضمّ ممثّلين عن النيابة العامة التمييزية ووزارة العدل ووزارة الدولة للتنمية الإدارية ووزارة المالية، بمعاونة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المتخصّص بمكافحة الفساد وبمعاونة كاتب هذه السطور.
كما تجدر الإشارة أيضاً في الأساس، إلى أنّ كافة الصلاحيات لتلقي الإخباريات والكشوفات واستقصائها تبقى للنيابة العامة التمييزية، التي يكون عليها تنفيذ قانون حماية كاشفي الفساد، لا سيّما حماية سرّية المعلومات المكشوفة وكاشفها وحمايته شخصياً ووظيفياً وقضائياً. أمّا قرار وزيرة العدل المتخذ وفق اقتراح مجموعة العمل، فلا يعني بأيّ شكل من الأشكال بأنّ وزارة العدل سوف تتلقّى هي الإخبارات والكشوفات عن الفساد، ولا يتضمّن القرار سوى ما يعود للوزارة من حقوق وواجبات لتأمين المستلزمات اللوجستية الضرورية لتمكين النيابة العامة التمييزية من أداء مهمّاتها، ألا وهي: الموظّفين وتدريبهم، والمكاتب، والتجهيزات المكتبية والبرامج المعلوماتية، والخطّ الساخن وعنوان البريد الإلكتروني الخاص. لذلك، ينبغي التنويه بسرعة اتخاذ هذه الخطوات التنفيذية لقانون حماية كاشفي الفساد في شقّه المختص بصلاحية النيابة العامة التمييزية، لا تصويره في غير محلّه القانوني والواقعي.
يبقى تحدّي تنفيذ القانون المنشئ للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ضمن المهل المحدّدة فيه. ولا يظنّن أحد بأنّ القانون الجديد الذي أجاز سلوك خيار النيابة العامة التمييزية يشكّل هروباً من تشكيل الهيئة، الذي بدأ العمل على التمهيد لانتخاب وتعيين أعضائها والتحضير لصياغة مسودّات أنظمتها وتوفير التمويل الضروري لها. يكفي التذكير بأنّ تعيين هذه الهيئة بات من البنود الإصلاحية الأساسية التي وردت في ما يعرف ببرنامج "الرئيس ماكرون" الذي التزمت تنفيذه القوى السياسية التي اجتمعت في قصر الصنوبر. وقد أنشئت مجموعة عمل متخصّصة بهذا الشأن من قبل وزارتي العدل والدولة لشؤون التنمية الإدارية، في إطار تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، ولتنفيذ قانون إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. هذه المجموعة التي تتضمّن ممثّلين عن وزارة العدل ووزارة الدولة للتنمية الإدارية ومجلس الخدمة المدنية ووزارة المالية وبمعاونة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المتخصّص بمكافحة الفساد وبمعاونة من كاتب هذه السطور. تتابع مجموعة العمل مع رئاسة الحكومة ومجلس القضاء الأعلى والوزارات المعنية وكافة الجهات المعنية بانتخاب وتسمية الأعضاء. بناء عليه، كان مجلس القضاء الأعلى دعا لإنتخابات القضاة الإثنين أعضاء الهيئة في تاريخ ٧ آب ٢٠٢٠؛ لكنّ هذا الموعد أرجئ بسبب تفشّي جائحة كورونا وتفجير المرفأ. أمّا الجهات الأخرى المختصة بالتسمية، فهي لم تتقدّم جميعها بالأسماء المطلوبة، والعمل جار على متابعتها لإتمام ذلك، لتكون الأسماء جاهزة أمام مجلس الوزراء الجديد الذي سوف يعود له اتخاذ قرار التعيين المناسب، لأنّ هذه الصلاحية تخرج عن الإختصاص المحدود دستورياً لحكومة تصريف الأعمال.
في الختام، لا بدّ من الملاحظة بأنّه في مواجهة الفساد البنيوي الذي نخر أساسات الدولة اللبنانية بجميع سلطاتها وإدارتها، لا بدّ من إصلاحات بنيوية بدأت تنفذ، بدءاً بالبنية القانونية من جهة، وبتطبيق القوانين بشكل كامل وفعّال من جهة أخرى. يبقى على هذه المؤسّسات الجديدة أن تثبت فعاليتها، وعلى المواطنات والمواطنين أن يمارسوا صلاحياتهم وحقوقهم إلى أقصى الحدود المتاحة، بدءاً بمعرفة كاملة لهذه الحقوق.
وتفضّلوا بقبول الاحترام.
*نائب سابق
"محكمة" – الثلاثاء في 2020/10/13

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!