العملة الرقمية في ميزان الفرص والمخاطر/سابين الكك

0

د. سابين الكك*:
ترّقب مصرف لبنان وضع قانون المعاملات الإلكترونية موضع التنفيذ بفارغ الصبر، ليطلق النقود الرقمية. وأنشأ لجنة مسؤولة عن تحضير التعاميم اللازمة لتطوير قطاع التقنيات المالية، متأبطاً نصّ المادة 61 من القانون 2018/81 (i)، متناسياً أحكام قانون النقد والتسليف التي تحظّر بحرفية المادة 11 منها إصدار أو وضع في التداول أو قبول: جميع السمات المحرّرة بالعملة اللبنانية لاستعمالها كوسائل دفع بدلاً من السمات النقدية المجازة قانوناً.
ولكن، على رغم تحديد صلاحيته بموجب الدستور النقدي الراعي للقطاع المصرفي، يعبث المصرف مجدّداً بالنظام العام النقدي، مستنسباً لحاكمه مهمّة إصدار عملة رقمية جديدة، محرزاً تقدّماً كبيراً في مشروعه حيث يقوم بوضع اللمسات الأخيرة على الإطار اللازم لإطلاقها(ii).
وقد أصبح من الواضح، أنّه وعلى وقع الأزمات المتعدّدة التي أطاحت بالنظام العام المالي، تصبّ خيارات الحاكمية في اتجاه واحد فقط، ألا وهو استيعاب أرقام وميزانيات المصارف، الفاقدة لمصداقيتها، عبر استعارة أقنعة عصرية لتجميل معالم قطاعٍ بالٍ، فاسدٍ، مرتكبٍ لأبشع وأشمل الجرائم المالية التي انتهكت ثروة شعب ووطن.
ومع تصاعد وتيرة الورش التشريعية في أروقة البرلمانات الأوروبية والاميركية، تستكمل البنوك المركزية العالمية استعداداتها اللوجيستية بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي الذي يواكب بحذر شديد إطلاق "العملات الرقمية" بمفهومٍ نظامي(iii) ، يضمن استقرارها كأداة اقتصادية واجتماعية. في الموازاة، يستبق المصرف المركزي اللبناني كلّ الجهود الدولية، ويعلن عن جهوزيته لإصدار نقوده الرقمية، فيما هو ممتنع عن تلبية مطلب التحقيق الجنائي الملحّ والضروري.
أسئلة عديدة تطرح في هذا السياق، أغلبها يرقى إلى مستوى المخاطر المحدقة، فيما القليل منها يتماثل إلى حدود الفرص الضائعة سنحاول، ترتيبها في ميزان الوضع الراهن وفق تقييمٍ مبدئي.
أوّلاً- النقود الرقمية، عملة مواجهة أم تكلفة مؤجّلة.
تحاول السلطات الدولية جاهدة، استيعاب ظاهرة انتشار أدوات الدفع الرقمية الصادرة عن مؤسّسات خاصة، بعد أن برزت "العملات المشفّرة" cryptocurrency مثل "البيتكوين" (bitcoin(iv كفقّاعات غير مضمونة تستمدّ قيمتها من الرهان على استمرارية وجود أشخاص مستعدّة لدفع ثمن هذه الفقاعة في المستقبل.
إتجهت السلطات الإشرافية في العالم كما في معظم الدول العربية إلى حظر استخدام الأصول المُشفّرة وقامت في هذا السياق بإصدار العديد من التعليمات الرقابية التي تحذّر من خطر التعامل بهذه الأصول.
تتمحور أهمّ التعليمات الرقابية حول استخدام العملات الرقمية المشفّرة كالآتي:
• التحذير من كون قيم الأصول المُشفّرة تنطوي على تقلّبات كبيرة في الأسعار.
• عدم قبول النقود المُشفّرة كعملة تتمتّع بقوّة إبراء قانوني.
• عدم اعتماد الأصول المُشفّرة لأغراض المعاملات الرسمية.
• إمكانية استخدام العملات المُشفّرة في عمليات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
وبالرغم من تهاوي القيمة السوقية للأصول المشفّرة بنهاية عام 2019 إلى 191 مليار دولار بعد أن تخطّت مستويات 800 مليار دولار خلال عام 2018(v)، يعلن حاكم مصرف لبنان عزمه إصدار عملة رقمية، دون أن يفصح أكثر عمّا يدور في كواليس مختبراته المصرفية.
في لبنان، قدّمت المصارف اللبنانية العديد من الخدمات الإلكترونية لعملائها منذ مطلع الألفية الثانية، وفعلياً يملك الأفراد والشركات منذ فترة طويلة أرصدة أموال رقمية، وبطاقات دفع إلكترونية بالإضافة إلى الأوراق النقدية والعملات المعدنية، إذاً ما هو الجديد في هذا الطرح؟
ممّا لا شك فيه، أنّ المركزي يعبّر عن نهجه الدؤوب والمستمرّ في اجتراح رؤى مالية ونقدية لا تحمل في طيّاتها سوى المزيد من التعرّض والانكشاف إلى مخاطر سوق التقلّبات السعرية المرتبطة بالأصول الرقمية، وكأنّ الوطن لم ينل ما يكفيه من مقارباته الغرائزية وأهوائه الربحية في دهاليز المال والمضاربات، حتّى يغوص مجدّداً في محيط العملات المشفّرة المجهول العمق وما قد يحمله من بلايا ومصائب.
وفي خضمّ هذا الواقع، يبدو جليّاً أنّ مبادرة حاكمية مصرف لبنان باتجاه عملة رقمية تنطوي تلميحاً على نيّة خرق المحظورات الرقابية، إذا ما كان يستهدف تأطير بدعة "الأصول المشفّرة" في هذا التحوّل، حيث تشير التجارب إلى حتمية إخفاء مصالح ضيّقة لدى صنّاع القرار المالي في لبنان، لتصبح معها العملة الافتراضية؛ وسيلة لمواجهة عاصفة من العقوبات المالية بدأت تتراكم بسوداويتها في الفضاء المصرفي.
ثانياً- مصرف لبنان: إحتياطات مفترضة ونقود وهمية.
بالإضافة إلى الأوراق النقدية والإلتزامات المالية الأخرى، تسعى البنوك المركزية إلى إصدار النقود الرقمية المغطّاة بالإحتياطات لدرء مخاطر العملات المشفّرة، ولكن حتّى الآن ما زالت هذه العملة موجّهة فقط لمجموعة مختارة من المؤسّسات المالية.
قد تتغيّر أساليب الدفع، ولكن طبيعة النقود لا يمكن إلاّ أن تختزن القيم بصورة مستمرّة ومستقرّة حتّى تؤدّي الغاية الاجتماعية المرجوة منها. ونتيجة للتحدّيات الكبيرة التي واجهت إصدار الأصول المُشفّرة ومن أهمّها التقلّبات السعرية الواسعة النطاق التي تصاحب تداولها، ظهر مؤخّراً الاتجاه إلى إصدار أشكال متعدّدة من الأصول المُشفّرة.
في هذا السياق، أطلقت "العملات المُستقرّة" أو "Stablecoins" والتي عرّفها البنك المركزي الأوروبي(vi) "بأنّها وحدات رقمية للقيمة لا تشكّل في ذاتها عملة محدّدة، ولكنّها ذات قيمة مرتبطة بمجموعة من أدوات التثبيت بهدف تقليل مخاطر التذبذبات الحادة في أسعار تداولها".
من جانبٍ آخر، وفي ظلّ الزخم العالمي بمتابعة مخاطر العملات الرقمية، ظهر اهتمام كبير من قبل البنوك المركزية العالمية بنــــوع آخـــر من العمــلات الإفتراضية يتمثّـــل في العمـــلات الرقمية الصادرة عن المصارف المركزية وأطلقت عليها تسمية "CBDC" أو "العملة الرقمية" ويعرّفها بنك التسويات الدولية(vii) بأنّها "شكل جديد من أشكال النقود الرقمية الصادرة عن المصارف المركزية، وهي تختلف عن الإحتياطات أو أرصدة التسوية التي تحتفظ بها المصارف التجارية لدى البنوك المركزية".
يعود تاريخ اقتراح العملة الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية، إلى الثمانينيات(viii) ، حيث علت أصوات مطالبة بإزالة القيود على الإحتياطات أمام الكافة لكي لا تبقى النقود المدوّنة رقمياً، ذات القيم المضمونة مباشرة من الإحتياطات، حكراً على مؤسّسات مالية محدودة.
"العملة الرقمية" هي تسمية مبتكرة ليس لطبيعتها الرقمية وإنّما لسعة الوصول بموجبها إلى احتياطات المصارف المركزية مباشرة، ومن هنا أطلق عليها البعض تسمية تبدو أكثر ملاءمة، لأنّها جعلت "الإحتياطات للجميع"(ix).
في المفهوم الدولي، تمثّل أموال البنك المركزي الرقمية أو "CBDC"تلك الأموال أو النقود الموصولة بالإحتياطات على أوسع نطاق ويرتبط استخدامها ونشرها بالعديد من التقنيات، إذ يتمّ تخزين أموال البنك المركزي الرقمي في حسابات الإحتياطات مثلاً، أو على بطاقاتٍ مدفوعة مسبقاً، أو في هياكل قواعد بيانات لامركزية، مبرمجة وفق مجموعة خيارات بمعظمها تكنولوجي، لإضفاء سهولة الإستعمال المباشر على السيولة، مع ما يترتّب على ذلك من إجراءات خاصة.
وضمن هذا المفهوم، يأتي الجواب على عجز مصرف لبنان طرح عملته الرقمية بأبعادها النقدية الدولية بديهياً لا بل محسوماً، وهو الغارق في حالةٍ من التعثّر المالي وصلت حدّ فقدان الكثير من قدراته سيولةً، ملاءةً، تغطيةً واستقراراً.
العملة الرقمية، بدعةٌ عصرية لبنك مركزي يكابر باحتياطات مفترضة، ويتذاكى بأرقام مفبركة ويتلطّى بسرّية مختذلة… ليستمرّ في بناء أبراج حاكميته المتسلّطة، مستعيناً، هذه المرّة… بهندساته الرقمية!!!
هوامش:

[i] المادة 61 تاريخ بدء العمل: 2018/10/10. تحدّد الأنظمة الصادرة عن مصرف لبنان ماهية النقود الإلكترونية والرقمية وكيفية اصدارها واستعمالها والتقنيات والأنظمة التي ترعاها.

ii)AMF and BIS, (2020). “Central Bank Papers on Monetary Policy Frameworks in the Arab Countries”,  Third Working Party Meeting on Monetary Policy in the Arab Region
iii)Petralia, K, T Philippon, T Rice and N Veron (2019), Banking disrupted? Financial intermediation in an era of transformational technology, Geneva Reports on the World Economy 22, ICMB and CEPR
iv)The BI Intelligence, (2017). “Bitcoin 101: Understanding Blockchain Technology, Bitcoins, and the Rise of Cryptocurrency”, Dec
v)“Cryptocurrency Market Cap Predicted to hit $1 Trillion Later This Year
vi)Bullmann, D. Et al. (2019). “In search for stability in crypto-assets: are stablecoins the solution?”, ECB Occasional Paper Series, Aug
vii)Bank for International Settlement (2018), Central bank digital currencies, Report of the Committee on Payments and Market Infrastructures and the Markets Committee, March
viii)Tobin, J (1985), “Financial innovation and deregulation in perspective”, Bank of Japan Monetary and Economic Studies 3(2): 19-29
ix)Niepelt, D (2015), “Reserves for everyone—towards a new monetary regime?”, VoxEU.org, 21 January

*دكتوراه دولة في القانون المصرفي، أستاذة محاضرة في كلّية الحقوق-الجامعة اللبنانية.
"محكمة" – الأحد في 2020/11/15

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!