تعليق على قرار محكمة الإستئناف بجعل قرارات المجلس التأديبي للمحامين غير معجّلة التنفيذ/هادي خليفة

0

المحامي هادي خليفة:
ورد في القول المأثور: "Qui peut et n’empêche pèche"
وعلى وقع هذا القول، وانطلاقاً من المسؤولية المهنية، وجدت أنّه من الضروري عدم التمسّك بالصمت الذي أصبح اللغة الفضلى في ظلّ الفوضى الفكرية التي نعيشها في هذه الأيّام وفي مختلف المواقع والميادين الدستورية والقانونية.
أوّلاً: في المقدّمة
نشر المحامي ناضر كسبار بتاريخ 2020/11/15 عبر موقع "محكمة" الإلكتروني القرار الصادر بتاريخ 2020/11/9 عن محكمة الإستئناف المدنية في بيروت – الغرفة الحادية عشرة- معتبراً أنّ هذا القرار أكّد على "نقطة مهمّة" حول القرارات التي تصدر عن المجلس التأديبي للمحامين بأن نفى عنها تمتـّعها بصيغة المعجّـل التنفيذ، علماً أنّ هذا القرار إعتبر أنّ المادة 110 من النظام الداخلي لنقابة المحامين في بيروت التي تعطي صفة المعجّل التنفيذ لقرارات المجلس التأديبي للمحامين تتعارض مع أحكام المادتين 570 و2 من قانون أصول المحاكمات المدنية كونها أدنى مرتّبة منهما، كما عزّز القرار النتيجة التي توصّل إليها عبر استعمال قاعدة القياس analogie par معتبراً أنّ القرار المعجّل التنفيذ يجب أن يلحظه القانون بعد أن أجرى مقارنة بينها وبين القرارات التي تصدر عن قاضي الأمور المستعجلة.

https://www.mahkama.net/?p=24574
خلط هذا القرار المرتكزات القانونية الواجب اتباعها في قانون تنظيم مهنة المحاماة، وهو قانون غير ظرفي، ينظّم بكافة أحكامه مهنة المحاماة وشؤون المحامين بصورة شاملة وهو قانون خاص بهم، ولا يستفيد من أحكامه سوى من يمارس مهنة المحاماة أو من يقدّم طلب انتساب لممارسة هذه المهنة النبيلة بصورة يحترم فيها كافة آدابها وأنظمتها، وهذا ما دفع بالمشرّع إلى تفويض مجلس نقابة المحامين وضع النظام الداخلي للنقابة في الفقرة -2- من المادة 59 من قانون تنظيم مهنة المحاماة بغية منح المهنة الإستقلالية الكاملة، وعـزّز هذه الإستقلالية بالحصانة الممنوحة للمحامي أثناء تأدية رسالته القائمة على تحقيق العدالة أو في معرض ممارسته لها، الأمر الذي لم يقف عنده القرار موضوع التعليق وأهمله ممّا أفقد القرار أيّة أهمّية على ما سنوضحه تباعاً.
إنّ محكمة الإستئناف، مُصدرة القرار موضوع التعليق، أضحت في قسم من قراراتها تلامس الدور الرقابي على سير عمل مهنة المحاماة عبر توسيع نطاق اختصاصها، في حين أنّ اختصاصها قيّده قانون تنظيم مهنة المحاماة إلى أقصى الحدود، بدليل أنّ المشرّع لحظ لها اختصاصاً في سبع حالات فقط من أصل مئة وثمانية وعشرين مادة نصّ عليها قانون تنظيم المهنة بعد أن ضمّ إلى هيئتها عضوين من مجلس النقابة باستثناء حالة واحدة نصّت عليها المادة 49 من قانون تنظيم المهنة والتي تعقد اختصاص المحكمة في هذه الحالة كقاضٍ إنتخابي – Juge électoral – للنظر بالطعن المقدّم أمامها ممن يثبت أنّ له مصلحة في قبول ترشيح أو رفض ترشيح أيّ مرشّح سواء لعضوية مجلس النقابة أو لمركز نقيب، وأخضع المشرّع هذا الطعن للأصول الموجزة، على غرار العديد من القوانين التي تتناول العملية الإنتخابية بصورة عامة، وهذا التوسّع يجب أن لا يصل لمرتبة التعدّي على إرادة المشرّع، الذي ربط مهنة المحاماة في تنفيذ خدمة عامة، منعاً من اجتيازه للمسلّمات.
ثانياً: في التعليق على القرار
1- في مخالفة القرار موضوع التعليق أحكام الفقرة -2- من المادة 59 من قانون تنظيم مهنة المحاماة:
إستمدّ النظام الداخلي لنقابة المحامين في بيروت كيانه القانوني إنطلاقاً من الفقرة -2- من المادة 59 من قانون تنظيم مهنة المحاماة، ولم يشترط المشرّع إخضاعه لأيّة سلطة للمصادقة عليه، وأضحى بالتالي لهذا النظام تعريف قانوني هو ما يعرف بقانون الإطار loi cadre الذي منحه المشرّع لمجلس النقابة بهدف حسن تنظيم العمل المهني، لاسيّما وأنّ قانون تنظيم مهنة المحاماة هو قانون خاص ومهما اتسع نطاقه يتعذّر عليه أن يحيط بكلّ الأوضاع المتحرّكة والمتنامية في مهنة المحاماة كي يحتاط لها ويجد ما يلائمها من حلول، هذا فضلاً عن أنّ تعديل القانون ليس بالأمر اليسير خاصة عندما يكون التعديل المطلوب له طابع تنظيمي مهني،

Le règlement intérieur :
… chaque barreau a son règlement intérieur qui constitue une sorte de Code des droits, devoirs et obligations professionnels des avocats.
Droit Judiciaire Privé- H.Solus /R.Perrot T : I p ; 828 n ; 996
Les règlements intérieurs des barreaux.
En vertu de l’article 17 de la loi du 31 décembre 1971, le Conseil de l’Ordre a pour attribution de traiter toutes questions intéressant l’exercice de la profession et de veiller à l’observation des devoirs des avocats ainsi qu’à la protection de leurs droits.
… les barreaux disposent d’un pouvoir normatif autonome leur permettant de préciser et de pallier les carences des textes législatifs, règlementaires…Déontologie de la profession d’Avocat-T.Revet-3eme ed.2020 p ; 32 n ; 15

إنّ النظام الداخلي لنقابة المحامين في بيروت الصادر سنداً لأحكام الفقرة -2- من المادة 59 من قانون تنظيم مهنة المحاماة أخذ مرتبته القانونية بصورة موازية لهذا القانون، ولا يجوز مطلقاً تقليص قيمته القانونية، أو تأويل أحكامه، من منظار أدنى أو أعلى من القانون الذي صدر في ظلّه، ويكون القرار موضوع التعليق بخلقه تراتبية للنظام الداخلي لنقابة المحامين في بيروت قد خالف أحكام الفقرة -2- من المادة 59 من قانون تنظيم مهنة المحاماة، وخرج عن أصول وقواعد التفسير، وخلق عدم تجانس بين القانون والنظام، هذا فضلاً عن أنّه في حال اعتماد النهج الوارد في القرار ستعمّ الفوضى وذلك على حساب الإستقرار في عمل مجلس النقابة كونه سيمتدّ ليشمل أيّ إجراء قد يقوم به المجلس فتكون قراراته خاضعة لسلطة المراقبة المؤخّرة من قبل محكمة الإستئناف وهو ما يتنافى مع اختصاصها المقيّد وفيه تعدٍّ على قاعدة الإستقلالية التي تتمتّع بها مهنة المحاماة.
2-في تعارض القرار موضوع التعليق مع الغاية المتوخّاة من عمل المجلس التأديبي للمحامين:
أتى القرار موضوع هذا التعليق في التعليل الوارد فيه ليقلب المفهوم المرتجى من القرارات الصادرة عن المجلس التأديبي لنقابة المحامين، وكبّل نفسه في عبارة واردة في المادة 110 من النظام الداخلي لنقابة المحامين في بيروت التي تتناول الصيغة المعجّلة التنفيذ للقرارات الصادرة عن المجلس التأديبي وكأنّ هذه القرارات تصدر عن هيئة قضائية أو عن هيئة ذات صفة قضائية كي يقارنها بقرارات قضائية، كما خالف الإطار العام الذي يقوم عليه عمل المجلس التأديبي الذي له دور محدّد مبني على إنزال العقوبة التأديبية المناسبة بحقّ المحامي المحال أمامه بعد أن يكون قد تحقّق من إخلاله بواجباته كمحامٍ، كما يشمل دوره معاقبة المحامي تأديبياً في سلوكه خارج عمله المهني، وإنّ القرارات الصادرة عن المجلس التأديبي تصدر بصورة سرّية، كما أنّ إجراءات المحاكمة التأديبية تكون سرّية ولا يوجد فيها خصومة بالمعنى القانوني الوارد في قانون أصول المحاكمات، وإنّ المجلس التأديبي لا يبتّ بأيّة حقوق، وإنّ المحاكمة عند الطعن بقراراته تخضع بدورها لقاعدة السرّية.
ومن هذا المنطلق، فإنّ الطابع الغالب لمهام المجلس التأديبي يقع ضمن إطار الشؤون الداخلية المحضّة داخل الجسم النقابي، وإنّ ما ورد في نصّ المادة 110 من النظام الداخلي لنقابة المحامين في بيروت يقع ضمن هذا الإطار بهدف تنفيذ قرارات المجلس التأديبي العقابية بصورة مباشرة وفورية وإنّ استعمال عبارة "معجّل التنفيذ" يبقى ضمن هذا الإطار، وهذه العبارة ليست مقتبسة للدلالة على أنّ القرارت الصادرة عن المجلس التأديبي تتماثل مع قرارات قضائية يمنحها القانون صفة المعجّل التنفيذ بالمعنى الحرفي أو اللغوي لتلك العبارة الواردة في قانون أصول المحاكمات المدنية وفقاً لما ذهب إليه القرار الإستئنافي الذي بقراره عطّل القرارات الصادرة عن المجلس التأديبي بصورة ضمنية نتيجة تدخّله بأمر داخلي يتعلّق بالعمل المهني وهو في مطلق الأحوال لا يصبّ في اختصاصه ولا هو مفوّض به وفاضل بين عدم سريان القرار التأديبي بحقّ المحامي المعاقب تأديبياً وبين الحرص على المبادىء والقيم التي تنظّم مهنة المحاماة.

Les poursuites disciplinaires :

Les textes ne fixent pas les règles à suivre pour la procédure et l’instruction. En général il y a lieu d’observer les règles de la procédure civile plutôt que celles de la procédure pénale.
Mais ce n’est là qu’une indication.
Il suffit que la décision constate les faits qui ont donné lieu à la poursuite et l’observation des formes substantielles. La mention de la formule exécutoire ne parait pas non plus nécessaire… La notification de la décision peut-être faite sans ministère d’huissier.
Procédure Civile – Glasson /Tissier- T :I p ;308 n ;124

وعلى ضوء ما تقدّم، فإنّه كان أجدر بالقرار موضوع التعليق عدم التطرّق إلى ما هو خارج إطار المسألة القانونية المعروضة وعدم المفاضلة بين النصوص القانونية وتلك التنظيمية التي تتكامل مع بعضها البعض صوناً لمهنة المحاماة والتي من دعائمها الأساسية تحقيق رسالة العدالة.
"محكمة" – الإثنين في 2020/11/23

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!